الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
131
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعض الناس . وجملة ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى إلى آخرها تعليل لجملة لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ أي لأن ذلك القصص خبر صدق مطابق للواقع وما هو بقصة مخترعة . ووجه التعليل أن الاعتبار بالقصة لا يحصل إلا إذا كانت خبرا عن أمر وقع ، لأن ترتب الآثار على الواقعات رتّب طبيعي فمن شأنها أن تترتب أمثالها على أمثالها كلما حصلت في الواقع ، ولأن حصولها ممكن إذ الخارج لا يقع فيه المحال ولا النادر وذلك بخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتكاذيب فإنها لا يحصل بها اعتبار لاستبعاد السامع وقوعها لأن أمثالها لا يعهد ، مثل مبالغات الخرافات وأحاديث الجن والغول عند العرب وقصة رستم وإسفنديار عند العجم ، فالسامع يتلقاها تلقي الفكاهات والخيالات اللذيذة ولا يتهيأ للاعتبار بها إلّا على سبيل الفرص والاحتمال وذلك لا تحتفظ به النفوس . وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في أول السورة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] فكما سماه اللّه أحسن القصص في أول السورة نفى عنه الافتراء في هذه الآية تعريضا بالنضر بن الحارث وأضرابه . والافتراء تقدم في قوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في سورة العقود [ 103 ] . و الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ : الكتب الإلهية السابقة . وضمير بين يَدَيْهِ عائد إلى القرآن الذي من جملته هذه القصص . والتفصيل : التبيين . والمراد ب كُلِّ شَيْءٍ الأشياء الكثيرة مما يرجع إلى الاعتبار بالقصص . وإطلاق الكل على الكثرة مضى عند قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها * في سورة الأنعام [ 31 ] . والهدى الذي في القصص : العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو اللّه تعالى ، وعلى أن التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة ، وكذلك الرحمة فإن في قصص أهل الفضل دلالة على رحمة اللّه لهم وعنايته بهم ، وذلك رحمة للمؤمنين لأنهم باعتبارهم بها يأتون ويذرون ، فتصلح